أبو علي سينا
22
القانون في الطب ( طبع بيروت )
يحدوا الصحة كما يشتهون ويشترطون فيه شروطاً ما بهم إليها حاجة . ثم لا مناقشة مع الأطباء في هذا ، وما هم ممن يناقشون في مثله ، ولا تؤدي هذه المناقشة بهم أو بمن يناقشهم إلى فائدة في الطب . وأما معرفة الحق في ذلك فمما يليق بأصول صناعة أخرى ، نعني أصول صناعة المنطق ، فليطلب من هناك . الفصل الثاني في موضوعات الطبّ لما كان الطب ينظر في بدن الإنسان من جهة ما يصح ويزول عن الصحة ، والعلم ، بكل شيء ، إنما يحصل ويتمّ ، إذا كان له أسباب ، يعلم أسبابه ، فيجب أن يعرف ، في الطب ، أسباب الصحة والمرض والصحة والمرض . وأسبابهما قد يكونان ظاهرين ، وقد يكونان خفيين لا ينالان بالحسّ بل بالاستدلال من العوارض ، فيجب أيضا أن تعرف ، في الطب ، العوارض التي تعرض في الصحة والمرض . وقد تبين ، في العلوم الحقيقية ، أن العلم بالشيء إنما يحصل من جهة العلم بأسبابه ومباديه ، إن كانت له إن لم تكن ، فإنما يتمم من جهة العلم بعوارضه ولوازمه الذاتية . لكن الأسباب أربعة أصناف : مادية ، وفاعلية ، وصورية ، وتمامية . والأسباب المادية : هي الأشياء الموضوعة التي فيها تتقوم الصحة والمرض : أما الموضوع الأقرب ، فعضو أو روح . وأما الموضوع الأبعد ، فهي الأخلاط ، وأبعد منه ، هو الأركان . وهذان موضوعان بحسب التركيب وإن كان أيضاً مع الاستحالة وكل ما وضع كذلك ، فإنه يساق في تركيبه واستحالته إلى وحدة ما ، وتلك الوحدة في هذا الموضع التي تلحق تلك الكثرة : إما مزاج ، وإما هيئة . أما المزاج ، فبحسب الاستحالة ، وإما الهيئة فبحسب التركيب . وأما الأسباب الفاعلية : فهي الأسباب المغيرة ، أو الحافظة لحالات بدن الإنسان من الأهوية ، وما يتصل بها والمطاعم ، والمياه ، والمشارب ، وما يتصل بها ، والاستفراغ والاحتقان ، والبلدان ، والمساكن ، وما يتصل بها ، والحركات ، والسكونات البدنية ، والنفسانية ، ومنها النوم ، واليقظة ، والاستحالة في الأسنان ، والاختلاف فيها ، وفي الأجناس والصناعات والعادات والأشياء الواردة على البدن الإنساني مماسة له إما غير مخالفة للطبيعة وإما مخالفة للطبيعة . وأمّا الأسباب الصورية : فالمزاجات والقوى الحادثة بعدها ، والتراكيب . وأما الأسباب التمامية : فالأفعال ، وفي معرفة الأفعال ، معرفة القوى لا محالة ، ومعرفة الأرواح الحاملة للقوى ، كما سنبين ، فهذه موضوعات صناعة الطب من جهة أنها باحثة عن بدن الإنسان ، أنه كيف يصح ويمرض .